القرطبي

220

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام . وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ ( بئر ( 1 ) ) . وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر وفيه ( ثم رد على الرجل السلام وقال : ( إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر ) ) . الرابعة والعشرون - قوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) الغائط أصله ما انخفض من الأرض ، والجمع الغيطان أو الأغواط ، وبه سمي غوطة دمشق . وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء حاجتها تسترا عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث الخارج من الانسان غائطا للمقارنة ( 2 ) . وغاط في الأرض يغوط إذا غاب . وقرأ الزهري : ( من الغيط ) فيحتمل أن يكون أصله الغيط فخفف ، كهين وميت وشبهه . ويحتمل أن يكون من الغوط ، بدلالة قولهم تغوط إذا أتى الغائط ، فقلبت واو الغوط ياء ، كما قالوا في لا حول لا حيل . و ( أو ) بمعنى الواو ، أي إن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر ، فدل على جواز التيمم في الحضر كما بيناه . والصحيح في ( أو ) أنها على بابها عند أهل النظر . فلأو معناها ، وللواو معناها . وهذا عندهم على الحذف ، والمعنى وإن كنتم مرضى مرضا لا تقدرون فيه على مس الماء أو على سفر ولم تجدوا ماء واحتجتم إلى الماء . والله أعلم . الخامسة والعشرون - لفظ ( الغائط ) يجمع بالمعنى جميع الاحداث الناقضة للطهارة الصغرى . وقد اختلف الناس في حصرها ، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع ، لا خلاف فيها في مذهبنا : زوال العقل ، خارج معتاد ، ملامسة . وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من الجسد من النجاسات ، ولا يراعى المخرج ولا يعد اللمس . وعلى مذهب الشافعي ومحمد ابن عبد الحكم ما خرج من السبيلين ، ولا يراعى الاعتياد ، ويعد اللمس . وإذا تقرر هذا فاعلم أن المسلمين أجمعوا على أن من زال عقله بإغماء أو جنون أو سكر فعليه الوضوء ، واختلفوا

--> ( 1 ) الذي في مسلم : ( . . . من نحو بئر جمل ) كرواية البخاري . ( 2 ) في ط وز : للمقاربة .